سيد محمد طنطاوي

198

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين قالوا للنبي صلى اللَّه عليه وسلم : يا محمد حدثني عن يوم القيامة ، فأخبره صلى اللَّه عليه وسلم عنه . فقال المشرك : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقك - يا محمد - أو يجمع اللَّه العظام . فنزلت هذه الآية . والمعنى : أقسم بيوم القيامة الذي لا شك في وقوعه في الوقت الذي نشاؤه ، وأقسم بالنفس اللوامة التقية التي تلوم ذاتها على الخير ، لما ذا لم تستكثر منه ، وعلى الشر لما ذا فعلته ، لنجمعن عظامكم - أيها الناس - ولنبعثنكم للحساب والجزاء . وافتتح - سبحانه - السورة الكريمة بهذا القسم ، للإيذان بأن ما سيذكر بعده أمر مهم ، من شأن النفوس الواعية أن تستشرف له ، وأن تستجيب لما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات . ووصف - سبحانه - النفس باللوامة بصيغة المبالغة للإشعار بأنها كريمة مستقيمة تكثر من لوم ذاتها ، وتحض صاحبها على المسارعة في فعل الخيرات . والعظام المراد بها الجسد ، وعبر عنه بها ، لأنه لا يقوم إلا بها ، وللرد على المشركين الذين استبعدوا ذلك ، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وهِيَ رَمِيمٌ . وقوله - سبحانه - : * ( بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَه ) * تأكيد لقدرته - تعالى - على إحياء الموتى بعد أن صاروا عظاما نخرة ، وإبطال لنفيهم إحياء العظام وهي رميم . و * ( قادِرِينَ ) * حال من فاعل الفعل المقدر بعد بلى . وقوله : * ( نُسَوِّيَ ) * من التسوية ، وهي تقويم الشيء وجعله متقنا مستويا ، يقال : سوى فلان الشيء إذا جعله متساويا لا عوج فيه ولا اضطراب . والبنان : جمع بنانة ، وهي أصابع اليدين والرجلين ، أو مفاصل تلك الأصابع وأطرافها . أي : ليس الأمر كما زعم هؤلاء المشركون من أننا لا نعيد الإنسان إلى الحياة بعد موته للحساب والجزاء ، بل الحق أننا سنجمعه وسنعيده إلى الحياة حالة كوننا قادرين قدرة تامة ، على هذا الجمع لعظامه وجسده ، وعلى جعل أصابعه وأطرافه وأنامله مستوية الخلق ، متقنة الصنع ، كما كانت قبل الموت . وخصت البنان بالذكر ، لأنها أصغر الأعضاء ، وآخر ما يتم به الخلق ، فإذا كان - سبحانه - قادرا على تسويتها مع لطافتها ودقتها ، فهو على غيرها مما هو أكبر منها أشد قدرة . وقوله - تعالى - * ( بَلْ يُرِيدُ الإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَه ) * بيان لحال أخرى من أحوال فجور